أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

49

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وبالأطفال أن تطرح ، وبالأجساد أن تجرح ، وبالأعراض أن تثلم ، وبالذمم أن تسلم ولا تسلم ، وأن يطوى بساط الرحمة ، وينشر مسح النقمه ، فلا يرحم كبير لكبره ، ولا صغير لصغره ، ولا يوقر عالم لعلمه ، ولا ذو أدب لفضله وحلمه ، ولا شريف لنسبه ، ولا منيف لحسبه ، ولا غريب لغربته ، ولا قريب لقرابته وقربته ، ولا مسلم لإسلامه ، ولا ذمي لذمامه ، ولا ضعيف لضعفه ، ولا جاهل لركاكة رأيه وسخفه ، وبالجملة فلا يبقى أحد ، ممن هو داخل البلد . وأما أهل المدينة فعلموا أنه ليس للجدل مجال ، فضلا عن ضراب وقتال ، وأن قبول الأعذار محال ، وأنه ليس ينجيهم من ريب المنون ، مال ولا بنون ، ولا يقبل منهم في الساعة ، ولا ينفعهم عدل ولا شفاعة ، فتحصنوا بحصون الاصطبار ، وتدرعوا دروع الاعتبار ، وتلقوا سهام القضاء من حنايا المنايا ، بمجن تسليم المراد ، واستقبلوا ضربات القدور من سيوف الحتوف ، بأعناق التفويض والانقياد ، فأطلق في ميادين رقابهم عنان الحسام البتار ، وجعل مقابرهم بطون الذئاب والضباع ، وحواصل الأطيار ، ولا زالت عواصف الفناء تحتهم من أشجار الوجود حتى حصروا عدد القتلى فكان نحو ست مرار من أمة يونس بن متى ، فاستغاث بعض البصراء ، بواحد من رؤوس الأمراء ، وقال : التقية في البقيه ، والرعاية في الرعية ، فقال ذلك الأمير ، للسائل الفقير ، أجمعوا بعض الأطفال عند بعض القلل ، فلعل أن يلين منه عند رؤيتهم شيئا ما عسى ولعل ، فامتثلوا ما به أمر ، ووضعوا شرذمة من الأطفال منه على الممر ، ثم ركب ذلك الأمير مع تيمور ، وأخذ به على تلك الأطفال ومر ، ثم قال : انظر يا مخدوم ، نظر الراحم إلى المرحوم ، فقال ما هؤلاء الطرحاء الأشقياء ؟ فقال : أطفال معصومون ، وأمة مرحومون ومحرمون ، استحر القتل بوالديهم ، وحل غضب مولانا الأمير على أكابرهم وذويهم ، وهم يسترحمون بعواطفك الملوكية وصغرهم ، ويستشفعون إليك بذلهم وضعفهم ويتمهم وفقرهم وكسرهم ،